المغرب :التجربة الكندية في إنتاج الوقود الحيوي



المغرب :التجربة الكندية في إنتاج الوقود الحيوي

ارتبطت التنمية الاقتصادية منذ الماضي ارتباطا وثيقا بالاستخدام المتزايد للطاقة وبالزيادة في انبعاثات الغازات الدفيئة، حيث عجلت حاجة المنشآت الصناعية الكبرى ومعامل الإسمنت إلى الطاقة بالبحث عن موارد طاقية إضافية عبر الاستغلال الأمثل للنفايات الصناعية كطاقة بديلة للوقود الأحفوري، وبالتالي المساهمة الفعالة والإيجابية في مسلسل التنمية المستدامة. ولكن بالرغم من ذلك فلا يزال يتعين تقييم مساهمة الطاقات المتجددة والنظيفة باختلاف مشاربها الشمسية والريحية والمائية والأخرى المستخرجة من النفايات في التنمية المستدامة وبالتالي ضرورة قياس مؤشرات التخفيف من آثار تغير المناخ وتقييم آثارها البيئية والصحية وبالتالي مقارنتها بمؤشرات تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

استيراد النفايات بالمغرب
ترى لماذا يستورد المغرب أطنانا من النفايات، بينما ينتج بنفسه الملايين منها كل عام وهل يتعلق الأمر بضمان جودة النفايات المستوردة؟ فقد أوضح بيان وزارة الطاقة والمعادن والبيئة الصادر يوم الاثنين 17 غشت 2020 أن المغرب استورد خلال الفترة من 2016 إلى 2019 حوالي مليون و600 ألف طن من النفايات التي تشكل المادة الأولية للطاقة، وأوضحت الوزارة أن نفايات المغرب يتم تدويرها والاستفادة منها داخليا وهي لا تكفي لسد حاجيات المغرب الداخلية، في حين يتم تصدير النفايات التي لا يمكن تثمينها أو معالجتها على المستوى الوطني، ويخضع استيراد النفايات لمجموعة من المعايير والشروط أهمها ضمان عدم تأثيرها على البيئة، كما أنه يسمح فقط باستيراد النفايات التي سيتم تثمينها وتدويرها لا طمرها يضيف البيان.
الجدل الذي أثاره نشر وزارة الطاقة و المعادن والبيئة المغربية في زمن كورونا حيث عدسات الكاميرا موجهة نحو إحصاء ضحايا الفيروس الفتاك والإعلام موجه نحو تثمين مجهودات الدولة في مواجهة الجائحة، أقدمت الوزارة الوصية على القطاع البيئي بنشر بالجريدة الرسمية عدد 6905 بتاريخ 3 غشت 2020 لقرارين وزاريين بشأن تحديد لائحة النفايات غير الخطرة التي يمكن الترخيص باستيرادها وبتحديد شروط وكيفية استيراد النفايات وتصديرها وعبورها، هذه القضية بالرغم من استغلال الحكومة للزمن المناسب لتمرير مثل هذه القرارات حيث المواطنين في غفلة مما يصنع الفاعل السياسي الذي يتقن استغلال الفرص لتشريع ما لم يكن بإمكانه تشريعه في أوقات اخرى، هذا القرار أعاد الى الواجهة قضية استيراد الوزارة الوصية لحوالي 2500 طن من النفايات التي كانت مخصصة لتغذية أفران مصانع الأسمنت حيث حاولت الوزارة الوصية يوم الإثنين 11 يوليوز 2016 طمأنة الرأي العام من خلال بيان توضيحي بأن المغرب يستورد سنويا "أكثر من 450 ألف طن من الوقود المشتق من النفايات" .
الوزيرة المنتدبة السابقة والمكلفة بالبيئة أكدت: "تمنح وزارة البيئة الإيطالية الإذن بعد تحليل تركيبة المخلفات والمستورد، وفي هذه الحالة، يقوم مصنعو الإسمنت باستيرادها فقط بمجرد التحقق من صحة الملف من قبل وزارة البيئة المغربية ولا يتم التحقق من صحة الملف إلا إذا كان يتوافق مع القانون"، وحسب الوزيرة المنتدبة السابقة: " بمجرد استيراد المنتج يتم أخذ عينة من قبل مختبر معتمد للتحقق من امتثاله للملف المقدم في البداية".
لجنة تقصي الحقائق تعري الصراع الصناعي البيئي
دعت لجنة تقصي الحقائق الحكومة إلى ضرورة اتخاذ قرار عاجل وواضح بخصوص الشحنة الإيطالية المحجوزة بمنطقة التخزين ببوسكورة، مسجلة "ارتباك وتذبذب" الحكومة في التعاطي مع الشحنة المستوردة من إيطاليا التي تعني "النفايات المشتقة كوقود بديل"، حيث أنها أوقفت استيراد جميع أنواع النفايات في مرحلة أولى وأكدت على أنها نفايات غير خطرة وتستعمل كوقود بديل، وبما أن مهنيي الإسمنت هم أبرز المعنيين باستيراد النفايات المستعملة كوقود بديل، كشفت لجنة تقصي الحقائق أن ممثل مهنيي الإسمنت أفاد أن المعامل الإسمنتية غير مؤهلة مقارنة مع دول أوروبا، بل هي ملزمة للقيام بتجهيزات معينة للوصول إلى المعايير الأوروبية، وبأن معظم النفايات غير الخطرة المستوردة توجه إلى الحرق في مصانع الإسمنت وفقا للاتفاقية المبرمة بين جمعية مهنيي الاسمنت والقطاع الحكومي المكلف بالبيئة والتي وقعت سنة 2003، وبأن هذا التوجه الجديد كلف استثمارات ضخمة خلال السنوات الأخيرة في تجهيز أفران لاستقبال الوقود الصلب المستخرج من النفايات والتحكم في الأدخنة والغبار الناتج عن حرقها.
وأكد التقرير أن إحدى شركات الإسمنت تستوفي نسبة مهمة من حاجياتها من الوقود الصلب من النفايات خاصة العجلات المستعملة، ما من شأنه تخفيف الضغط على مطارح النفايات المنزلية المراقبة، وتقليص نسبة استهلاك أراض وعقارات جديدة لطمر هذه النفايات.
التقرير أكد على عدم تحقق قسم الوقاية ومحاربة التلوث من قياس الانبعاثات الغازية المنبثقة بأكملها كما هو محدد في الاتفاقية وإنما يقتصر فقط على غازي أحادي أكسيد الكاربون وغاز الميتان، بالإضافة إلى عدم توفر المختبر الوطني على الموارد البشرية والإمكانيات اللوجيستيكية للقيام بواجبه وتغطية المراقبة عبر التراب الوطني.
ويضيف التقرير أنه على إثر الضجة التي خلفتها عملية استيراد النفايات الإيطالية، جمدت الحكومة بقرار شفوي جميع عمليات استيراد النفايات الشيء الذي يتناقض والبلاغ الاخباري للوزارة الوصية والتي أكدت على أن عملية استيراد النفايات استمرت طيلة الفترة الممتدة مابين 2016 و2019.
وخلصت اللجنة الى ضعف البنيات والتجهيزات الأساسية المتخصصة في معالجة النفايات الخطرة مقارنة مع حجم ما ينتج منها في المناطق الحرة بالمغرب، بالإضافة إلى الخصاص في الموارد البشرية بالقطاع الوصي على البيئة والاقتصار على بعض المضامين المسطرية لاتفاقية بازل والانسجام مع مقتضياتها، مع محدودية قدرة الوزارة الوصية على القطاع البيئي في المراقبة التقنية للنفايات التي تنتجها الوحدات الصناعية في عمليات الحرق.
وانتهت اللجنة الى تأثير توقيف عملية الاستيراد للنفايات المستعملة داخل الوحدات الصناعية مخلفا أضرارا اقتصادية مما جعل الحكومة تتراجع عن منع استيراد النفايات فضلا على أن الحكومة ارتكزت على استيراد النفايات الخطرة وغير الخطرة على مشروع مرسوم 2.14.505، المصادق عليه في المجلس الحكومي، وغير المنشور في الجريدة الرسمية مما يعد خرقا قانونيا واضحا وأخيرا النقص المهول في الوسائل اللوجستيكية والموارد البشرية للشرطة البيئية مقارنة بالمهام الموكولة إليها، حيث لا يمكن ل 70 عنصرا من هذا الجهاز على المستوى الوطني، حسب تصريحات المسؤولين بالوزارة المعنية من إنجاز مهام التتبع والمراقبة بالنجاعة المتوخاة، خاصة في مجال تدبير النفايات المنتجة بالوحدات الصناعية.
المجتمع المدني يتفاعل
ومباشرة بعد نشر الوزارة للبيان التوضيحي حول التشريع باستيراد أكثر من 300 نوع من أنواع النفايات المصنفة ضمن النفايات غير الخطيرة حسب نص القرار التطبيقي، أدان الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان نشر هذا القرار في هذا الظرف الوبائي الخطير والجمهور منشغل في مواجهة مخاطر الكوفيد، ورفض الائتلاف بقوة أن تبيح الحكومة المغربية ووزارة الطاقة والمعادن الاتجار في النفايات الخطيرة وغير الخطيرة، كما رفض أن تسمح لمن يريد استيرادها ونقلها وجني الثروة و الأرباح من وراءها، معتبر أن الحكومة بذلك تسترخص قيمة المواطن داخل وطنه وتصدر مراسيم وقرارات تهدد صحته وأمنه الإنساني وأمنه البيئي، وتربة بلده ومياهه وهواءه، وذلك ضدا على الدستور وعلى المواثيق الدولية في مجال البيئة والسلامة الصحية.
مورد طاقي إضافي
ويظهر الجدل الدائر حول إمكانية استيراد النفايات الصناعية خطيرة كانت أو غير خطيرة ووصولها إلى المغرب، الأحرى أن يفكر الساهرون على الشأن البيئي في هذا الوطن في الاستفادة من تجارب الدول الأخرى- فمجموعة من الدول العظمى تستعمل هذه النفايات كمورد طاقي إضافي آمن- لا أن يجعلوا من المغرب مطرحا عموميا مفتوحا لنفايات العالم، معتبرين أننا كبلدان العالم الثالث "مفروض علينا" أن نستقبل نفايات العالم المتقدم بصدر رحب و"بالتصفيق والزغاريت"، هذا ما يفسره السرعة في إخراج قرارات تطبيقية في وقت استثنائي حيث أن الناس في غفلة مما تصنع حكومتهم المنتخبة حيث صودق عليها في 14 يوليوز 2020، وتم إخراجها على وجه السرعة في الجريد الرسمية بعد أسبوعين فقط.
الاتحاد الأوروبي سباق في إنتاج الوقود الحيوي البديل
وهناك نوعان من الإجراءات: إحداها يعرف باسم "استعادة المواد" والذي يتكون من استعادة المواد القابلة لإعادة الاستخدام من خلال إعادة التدوير أو التسميد، والآخر يسمى "استعادة الطاقة" من خلال الحرق على وجه الخصوص، تم بالفعل استخدام هذه الطاقة البديلة الشهيرة كوقود ثمين ولعدة سنوات من قبل العديد من البلدان، ففي ألمانيا مثلا يتم استخدام مليوني طن من الطاقة البديلة كل عام ووفقا لدراسة أجرتها لجنة البيئة التابعة للاتحاد الأوروبي عام 2011 فإن إنتاج الطاقة البديلة هو أكثر نشاطا في الدول الأوروبية وتعد هولندا من بين أفضل الأمثلة في إعادة التدوير وتؤكد الدراسة أن أوروبا تستخدم عموما حوالي 20 مليون طن من النفايات البديلة والمستخرجة من النفايات كل عام.
في فرنسا أدى استخدام الوقود المستعاد من النفايات إلى تقليل ما يقرب من 50000 طن سنويا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، هذا ما أكدته الدراسة، بالإضافة الى أن استخدام هذه الطاقة النظيفة لم يكن له أي تأثير سلبي على انبعاثات الهواء من مصانع الأسمنت وبالتالي يسمح استعمال هذا النوع من الطاقة بتوفير في استهلاك الوقود التقليدي والمواد الخام في حدود 40٪، إضافة إلى تقليل كميات النفايات التي سيتم إرسالها إلى مطارح النفايات، فضلا عن تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وبالتالي التخفيف من آثار الاحتباس الحراري على الكوكب.
مدينة مكناس رائدة عالميا في إنتاج البيوغاز
ويرجع الخبراء مصدر النفايات إلى %34 من بقايا الطعام و%20 نفايات ورقية و%18 مخلفات البلاستيك و%11 نفايات زجاجية و%11 بقايا المعادن و%6 من مخلفات الأشجار والبستنة، حيث يمكن ل %60 من تلك المخلفات إعادة استخدامها وتدويرها في حين أن %44 منها يمكن أن يكون مصدرا للطاقة عبر الحرق المباشر حيث يطلق عليه مصطلح "الوقود المشتق من النفايات"، ويساعد هذا الوقود على الحد من تخزين المخلفات الصناعية والتخلي عنها على المدى الطويل، ودرء المخاطر البيئية التي يمكن أن يسببها تراكمها في المطارح العشوائية، أما بالنسبة للجزء المتبقي من النفايات الصلبة والذي يمثل بقايا الطعام يمكن أن يكون مصدرا للطاقة عبر إنتاج الغاز الحيوي "البيوغاز"، وتعتبر مدينة مكناس رائدة في هذا المجال عبر توفر مركز تثمين النفايات المنزلية على تقنيات عالمية الجودة تحول عصارة النفايات "ليكسيفيا" الى مياه صالحة لسقي المساحات الخضراء. وتطمح الجماعة الترابية مكناس عبر هذا المشروع النموذجي والذي تم تتويجه بشارة قمة المناخ في نسختها 22 المنعقدة بمدينة مراكش عام 2016، إلى ربط المنشآت الصناعية القريبة من المركز بالطاقة الكهربائية المستخرجة من خلال البيوغاز، في مقابل ذلك تعيش مجموعة من المطارح العشوائية وغير المراقبة على الحرق المباشر للنفايات أو طمرها مما يؤثر بصفة مباشرة على الفرشة المائية، ومطرح مديونة خير دليل على ذلك حيث الليكسيفيا أغرقت الطرقات المجاورة للمطرح، أما في مطرح أم عزة فصهاريج تجميع الليكسيفيا قد امتلأت عن آخرها وتنذر بكارثة بيئية على مستوى جهة الرباط.
تحويل نفايات كندا إلى طاقة
في زمن كورونا وبينما يمر الاقتصاد الكندي بفترات حرجة عامة، وصناعة تدوير النفايات خاصة بأزمة كبيرة لم يشهدها إقليم كيبيك من قبل، هذه الأزمة التي ترجع أسبابها بالدرجة الأولى إلى جائحة فيروس كورونا حيث أثرت الإجراءات الاحترازية التي فرضتها السلطات الكندية على عملية تجميع النفايات القابلة للتدوير، و يرى الخبراء أنه سيكون من المربح تحويل جزء من نفايات كندا إلى طاقة، حيث على الرغم من فرز النفايات واستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير في كندا إلا أنه ينتهي الأمر بأكثر من خمسة ملايين طن من هذه النفايات التي تم فرزها في مطارح النفايات في إقليم كيبيك كل عام، وهذا هو الدافع الذي جعل تشارلز مورو رئيس شركة " تضافر – تقليص- تدوير – إعادة استعمال"، يحاول إقناع الحكومة الكندية والحكومة المحلية بكيبيك منذ عشر سنوات باستخدام جزء من نفايات كندا لإنتاج الطاقة، ويضيف تشارلز مورو: "من الواضح أنه في الوقت الحالي لا نملك المقومات الاساسية لاستقبال جميع المواد القابلة لإعادة التدوير في إقليم كيبيك، لذا فنحن نقدم الخبرة والحلول دائما لجميع المواد التي لا يمكن العثور عليها لإعادة التدوير"، وتخطط الشركة لإنجاز أول مصنع لها بكندا لتحويل النفايات إلى وقود بديل "غاز حيوي" في غضون العامين المقبلين، هذا المشروع الخاص يعتمد على تقنيات علمية جد متطورة حيث تتواصل المناقشات مع العديد من المتدخلين والشركاء لضبط آليات التنسيق الإقليمية من أجل إنشاء المصنع التحويلي للطاقة، "نحرق المواد التي تم تجميعها، ثم نحول هذه المواد إلى طاقة ومنتجات ثانوية تشكل المادة الخام" يختم تشارلز مورو.
بلدان متقدمة تستفيد من التجربة الكندية
وقد اتخذت عدة دول مثل السويد واليابان والنرويج نفس المنعطف نحو الانتقال الطاقي وإنتاج الوقود الحيوي من النفايات، حيث يشير الخبراء في دولة اليابان إلى أن ثلاثة أطنان من النفايات تساوي طنا واحدا من الوقود الحيوي، وتستخدم اليابان بالفعل التكنولوجيا التي تقدمها شركة "تضافر – تقليص – تدوير – إعادة استعمال" الكندية ، وتأكد ذلك بعدما زار العديد من المسؤولين والمنتخبين في اقليم كيبيك لمصنع تشيبا الياباني والمتخصص في انتاج الوقود الحيوي.



مصدر: تليكسبريس

شاهد أيضا