الجزائر: الاقتصــــــاد الجزائــــري أمــــام تحدّيــــــــات ما بعـــــــد كورونـــــــا



الجزائر: الاقتصــــــاد الجزائــــري أمــــام تحدّيــــــــات ما بعـــــــد كورونـــــــا

 يؤكّد خبراء اقتصاديون، أنه وقبل الحديث عن إقلاع اقتصادي حقيقي، لابد من إطلاق حركية اقتصادية قادرة على إنجاح هذه الخطة، ضمن سلسلة من الخطوات والإجراءات التي لابد من المرور عليها، فضلا عن إزاحة عوائق تقف حجر عثرة أمام طريق النمو الاقتصادي، وهو أمر يمكن تحقيقه بالرّغم من الضربات المستمرة للفيروس ومتحوارته، وتأثيره المباشر على اقتصاد البلاد وتسببه في كبح عجلة نموّه. 

أكّد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عمر هارون، أن «فكرة الإقلاع الاقتصادي ما بعد جائحة كورونا covid19، التي ضربت العالم ولا تزال تهدده وأجبرته على توقيف كل النشاطات الاقتصادية غير الضرورية، تعتبر «تحدّ حقيقي لأكبر الاقتصاديات العالمية، خاصة تلك النفطية بعد تهاوي أسعار النفط ووصولها إلى أسعار سالبة بلغت ناقص 37 دولار للبرميل في عقود ماي الخام تيكساس، وهو الأمر الذي لم يسبق وحدث، وهو ما جعل الدول النفطية تتعرض لضربتين موجعتين في وقت واحد قوامهما جائحة صحية وتراجع رهيب لعوائد البلد»،

وأبرز الخبير في تصريح لـ»الشّعب»، أن الإقلاع الاقتصادي اليوم على ضوء أزمة كورونا يتطلب مجموعة من المفاتيح الاقتصادية، التي أصبحت في حكم الضرورة والحتمية حتى وإن شهدت أسعار النفط تعاف ملحوظ لدولة مثل الجزائر،  حيث تتمثل في ضرورة المرور عدة خطوات». 

 

من دور «متدخل» إلى «ضابط» 

ومن بين هذه الخطوات يقول محدثنا: « إعادة النظر في دور الدولة من خلال تحوّل دورها من «متدخلة»، إلى «ضابطة» تسهر على تنظيم السوق من خلال ترقية دور سلطات الضبط وإعطائهم حرية أكبر للعمل على ضمان جودة الخدمات، وإطلاق يد الجزائري في المبادرة الاقتصادية وتحويل الفعل الاقتصادي إلى فعل فردي، مع فصل القرار الاقتصادي عن القرار السياسي. واقترح إنشاء لجنة وطنية لتطوير مناخ الأعمال وفق المتغيرات المذكورة في التقارير الدولية، مع إمكانية إعادة تفعيل المجلس الوطني لمناخ الأعمال مع إعادة النظر في تركيبته ومهامه، وجعل دوره أساسيا في الموافقة على مشاريع القوانين المطروحة في مجال الاستثمار، مع ضرورة استقطاب رجال الأعمال الجزائريين الموجودين في الخارج».

فضلا عن ذلك، ــ يؤكد نفس الخبير ــ ضرورة تطوير المنظومة البنكية بما يضمن رقمنتها وتحسين أدائها، مع الحرص على إنشاء بنك رقمي جزائري قادر على احتواء المعاملات الرقمية الحاصلة على المستوى الوطني والتي تعظم السوق السوداء التي وصلت إلى 10000 مليار دينار جزائري.

وأضاف هارون أنه ومن جملة المفاتيح الضرورية للذهاب نحو إقلاع اقتصادي حقيقي، الاهتمام بسوق الأوراق المنقولة ( البورصة، حيث أن بورصة الجزائر المتواجدة منذ 27 سنة، إلا أن ما حققته يبقى بعيدا كل البعد عن التطلعات وما كان بالإمكان تحقيقه، فآخر إحصاء أشار لإمكانية دخول أكثر من 1200 مؤسسة للسوق المالية، والأمر بحاجة إلى إستراتيجية جديدة لإعادة بعث البورصة». 

ويرى الخبير ضرورة إعادة النظر في واقع الجامعة الجزائرية من خلال»إعادة النظر في القانون الأساسي وإشراك الأستاذ في إعداده خاصة أنه لم يتغير منذ 2008،  إلى جانب تطوير نظام منح التميز بالنسبة للطلبة في مجال المقاولاتية، الرياضة، الفن، العلوم والدين،  فضلا عن تحفيز تخصصات مهنية غير أكاديمية وإرساء مسار يسمى بمسار الطالب المقاول، ناهيك عن السماح للأساتذة الجامعيين بإنشاء مؤسسات ناشئة، والناتجة عن أفكار واختراعات وابتكارات مترتبة عن مذكرات نهاية الدراسة المعدة من قبل طلبتهم والمؤسسات الناشئة ذات البعد الخدماتي الابتكاري.

وإلى ذلك تحدث عن تعزيز تواجد الأستاذ الجامعي في مختلف المجالس الاستشارية والتنفيذية على المستوى المركزي واللامركزي، وفتح المجال لدمجه في الإدارة الجزائرية في مناصب كمستشار ومكلف مهمة لتطوير الإدارة الجزائرية التي تبقى حكرا على الطابع الإداري، يرافق كل ذلك دمج الثقافة المقاولاتية في المستوى الثانوي من أجل تطوير جيل قادر على فهم معنى صناعة الثروة» . 

 

رقمنة الاقتصاد الوطني

ومن بين الخطوات الأخرى التي يراها هارون مهمة للنجاح بالإقلاع الاقتصادي، «رقمنة الاقتصاد الوطني، حيث تعاني الجزائر من غياب منظومة رقمية قادرة على تقديم أرقام دقيقة بخصوص الاقتصاد الوطني، وهو ما جعلنا نعاني من عدم القدرة على إيجاد دراسات اقتصادية دقيقة، ما يلزم وزارة المالية على الأقل أن تبدأ في تطوير نظام متكامل خاص بكل العمليات الداخلية والخارجية الموجودة على مستوى الجزائر، على أن تربط كل الدوائر الوزارية بهذا النظام شيئا فشيئا، وهو ما يمكّننا من إيجاد لوحة قيادة متكاملة في اقتصاد الجزائر قادرة على تقديم نظرة للوضعية الحالية واشتراف المرحلة القادمة، ويمكن لهذا النظام أن يكون تحت وصاية وزارة الرقمنة والإحصاء من خلال العمل على أرضيات عمل مشتركة» .

 مراجعة سياسة الصرف

 ويؤكد الخبير ذاته، ضرورة التوجه نحو التجارة الخارجية ومراجعة سياسة الصرف، ويمكن فعل ذلك من خلال» الرفع من تكاليف الاستفادة من خدمات مالية وتقنية من الخارج، بالنسبة للمؤسسات الجزائرية، وإجبارها على استبدال المكاتب الخارجية بأخرى جزائرية في حال التوفر،  الى جانب الرفع من ضرائب شركات الخدمات فعوض رفع الضرائب المقتطعة من المصدر إلى 30 % يجب أن تتحول إلى 60% من أجل إجبارها على فتح مكاتب في الجزائر،  وتسهيل عملية إدخال الأموال للاقتصاد الجزائري خاصة المتعلقة بالمهاجرين، فلا تزال استفادة الجزائر من تحويل الأموال ضعيفة جدا، لا تتعدى 2 مليار دولار سنويا في حين أن دول كمصر يحول لها ما يفوق 26 مليار دولار ودولة كالهند تفوق التحويلات 83 مليار دولار أما الجارة المغرب فتفوق التحويلات لها 6 مليار دولار سنويا».

إصلاح مؤسساتي وقانوني

أما الحلّ الثامن، فيكمن ــ في اعتقاد الضالع في الاقتصاد ــ في «تطوير قطاع المؤسسات في الجزائر ( الاصلاح المؤسساتي والقانوني )، ويكون ذلك من خلال المسارعة في إعادة النظر في الهيئات المسؤولة على عملية إنشاء المؤسسات في الجزائر، وتوحيد الجهة المسؤولة على العملية( كناك،  أناد وزارة العمل ) (أونجام وزارة التضامن )، مع تحويل دور الدولة من المساعدة إلى المرافقة. 

 

دمج الاقتصاد غير الرسمي 

يتحدث هارون عن دمج الاقتصاد غير الرسمي، إذ يقول « قدر رئيس الجمهورية حجم الاقتصاد غير الرسمي بـ 10000 مليار دينار جزائري، وهذا ما يعني أن الجزائر أمام تحد كبير جدا، لا يتمثل فقط في مشكل آني، بل في ثقب أسود سيقوم بتأثير سلبا على أي إصلاح اقتصادي حقيقي، خاصة من ناحية القدرة على تسيير الكتلة النقدية داخل الاقتصاد الوطني، ودون تحجيم هذا السوق لن تستطيع أي خطة».

 

تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية 

 في حين أن الفرص الاستثمارية في الجزائر، ــ كما قال هارون ــ كبيرة ومتعددة من ناحية اتساع مساحة الجزائر أو من خلال الإمكانيات البشرية والطاقوية،  التي تملكها الجزائر، كما أن الموقع الجيو ـ استراتيجي يبقى واحد من أهم المناطق في العالم، من خلال اعتبار الجزائر بوابة إفريقيا وقربها من أوروبا مع إمكانية الحصول على معابر بحرية مع المحيط الأطلسي، دون نسيان الإمكانيات السياحية الاستثنائية الموجودة في أكبر بلد في إفريقيا حاليا،  وهو ما يجعل وجوب المسارعة في تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية، أمرا واجبا على كل السفارات والقنصليات المتواجدة في الخارج.

 

سرطان السوق الموازي للعملة

 من جهته، يؤكد أستاذ الاقتصاد بجامعة ورقلة، سليمان ناصر، أنّ الإقلاع الاقتصادي يحتاج لعدة أمور وضوابط وإجراءات ضرورية،  كما يحتاج لإزالة عوائق تقف حجر عثرة في سبيل تحقيق هذا الإقلاع الذي تحدث عنه رئيس الجمهورية مؤخرا خلال سنة 2022. 

قال سليمان ناصر في تصريح لـ «الشعب»، إن أهم العوائق التي تكبح فرامل الإقلاع الاقتصادي تتمثل في « وجود سوق موازية تمثل أكثر من 40 بالمائة من الاقتصاد الوطني، ما ينتج عنها تهرب ضريبي، وسوق موازية للصرف وفارق كبير بينها وبين البنوك، إلى جانب استمرار اعتمادنا على مداخيل العملة الصّعبة، من المحروقات من البترول والغاز، لذلك وجب تنويع مصادرنا من الصادرات».

وبعد أن أكد أن الإقلاع الاقتصادي لن يتحقق في سنة أو سنتين، أبرز الأستاذ الجامعي، أن المهم بالنسبة لنا اليوم تحقيق خطوات أولى على طريق تحقيق الانطلاقة الحقيقية، مشددا على أن استمرار وباء كورونا، لا يعد عائقا في وجه الجزائر اليوم،  بل أن العالم يسير كله نحو التعافي،  بعد أن سبب ركودا اقتصاديا، وكان عاملا إضافيا لكبح جماح النمو. 

 


مصدر: ech-chaab.com

شاهد أيضا